سيد محمد طنطاوي
486
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
كانت على يمين الكهف ، وإذا غربت كانت على شماله ، فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف ، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل . والثاني : يرى أصحابه أنه ليس المراد ذلك ، وإنما المراد أن الشمس إذا طلعت منع اللَّه - تعالى - ضوءها من الوقوع عليهم ، وكذا القول في حال غروبها ، وكان ذلك فعلا خارقا للعادة ، وكرامة عظيمة خص اللَّه بها أصحاب الكهف . . » « 1 » . ومن هذين الرأيين يتبين لنا أن أصحاب الرأي الأول ، يرجعون عدم وصول حر الشمس إلى هؤلاء الفتية إلى أسباب طبيعية حماهم اللَّه - تعالى - بها ومن بينها أن الكهف كان مفتوحا إلى جهة الشمال . أما أصحاب الرأي الثاني فيردون عدم وصول أشعة الشمس إليهم إلى أسباب غير طبيعية ، بمعنى أن الفتية كانوا في متسع من الكهف ، أي : في مكان تصيبه الشمس ، إلا أن اللَّه - تعالى - بقدرته التي لا يعجزها شيء ، منع ضوء الشمس وحرها من الوصول إليهم ، خرقا للعادة على سبيل التكريم لهم . ومع وجاهة الرأيين ، إلا أن النفس أميل إلى الرأي الثاني ، لأن قوله - تعالى - * ( وهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْه ) * يشير إلى أنهم مع اتساع المكان الذي ينامون فيه - وهو الفجوة - لا تصيبهم الشمس لا عند الطلوع ولا عند الغروب ، وهذا أمر خارق للعادة ، ويدل على عجيب حالهم ، كما أن قوله - تعالى - بعد ذلك * ( ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّه ) * يشعر بأن أمر هؤلاء الفتية فيه غرابة ، وليس أمرا عاديا مألوفا . قال الآلوسي : وأكثر المفسرين على أنهم لم تصبهم الشمس أصلا ، وإن اختلفوا في منشأ ذلك واختار جمع منهم ، أنه لمحض حجب اللَّه - تعالى - الشمس على خلاف ما جرت به العادة ، والإشارة تؤيد ذلك أتم تأييد ، والاستبعاد مما لا يلتفت إليه ، لا سيما فيما نحن فيه ، فإن شأن أصحاب الكهف كله على خلاف العادة . . » « 2 » . وعلى هذا الرأي الثاني يكون اسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّه ) * إلى ما فعله اللَّه - تعالى - معهم ، من حجب ضوء الشمس عنهم مع أنهم في متسع من الكهف . أي : ذلك الذي فعلناه معهم من آياتنا الدالة على قدرتنا الباهرة ، وإرادتنا التي لا يعجزها شيء .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 21 ص 99 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 223 .